طه عبد الرحمن
36
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
من صنعها . ، وإنما تأتي من فعلها من حيث هي إرادة - أي من شيء داخلي هو عينها ، سواء أتحقّق المراد أم لم يتحقق - ، بحيث يعتبر هذا الفعل غاية في نفسه لا وسيلة إلى غيره . ولا تكون الإرادة خيّرة حتى تهتدي في جميع أفعالها بمقتضيات العقل الخالص وحده ، ولا أدل على وجود هذا العقل في أفعالها من كونها لا تفتأ تدفع عن نفسها كل أشكال الهوى - شهوات أو عواطف أو ميولا - علما بأن العقل والهوى ضدان لا يجتمعان ؛ كما أنها لا تفتأ تتجرد من كل أشكال الحظ والغرض ، فلا تتعلق بأي شيء ، كائنا ما كان ، حتى ولو كان " السعادة القصوى " أو " الكمال الأعلى " أو " الخير الأسمى " أو " الحب الأسنى " ، لأن الطريق الذي تختاره الطبيعة للوصول إلى مثل هذه الحظوظ والأغراض ليس ، حسب رأي " كانط " ، هو العقل الذي يتعثر في الوصول إلى هذه المصالح ، وإنما هو الغريزة التي لا تتعثر في ذلك كما تفعل هذه الطبيعة بشأن حاجات الحياة العضوية للإنسان ؛ فإذن انضباط الإرادة بالعقل هو الذي يجعل منها بالذات إرادة خيّرة ابتداء ، لا بواسطة ، وخيّرة بنفسها ، لا بغيرها . ولما كانت الإرادة الخيّرة إرادة عاقلة بعقل خالص ، صارت لا تتعلق إلا بالأفعال التي تأتي على وفق الواجب كما يمليه عليها هذا العقل ، ولا بد أن يكون واجبا لا اعتبار فيه لمادة عارضة ولا توجّه فيه لغرض محدود ولا مجال فيه للتبعية لغيره ، إن طمعا في الثواب أو خوفا من العقاب ، بمعنى أن الإرادة الخيّرة هي الإرادة التي تفعل على مقتضى الواجب لذات الواجب ، أي لا يحركها في هذا الفعل إلا احترام الواجب وحده ؛ لذلك ، كانت تصدر في أفعالها الخلقية عن قواعد أو مبادئ مصوغة في صورة أوامر جازمة ومطلقة . وإذا كانت الإرادة الخيّرة تتحقق بواسطة الأوامر ، فإن كل أمر تصدر عنه لا تتلقاه مطلقا من غيرها أو من خارجها ، وإنما هي التي تلقي به إلى ذاتها من داخلها ، فهي صاحبة التشريع لنفسها ، ولا يشاركها في ذلك سواها ؛ ولا قدرة لها على هذا التشريع الذاتي ما لم تكن تتمتع بتمام الحرية ، على أن ذلك لا يعني أبدا أن هذا الأمر التشريعي لا يتعلق إلا بصاحب هذه الإرادة وحده ولا يثمر أخلاقا إلا عنده ، وإنما شرطه الذي يصح به هو أن يتوخى فيه ذو الإرادة أن يكون قانونا كليا يجري على مجموع البشرية ، على أساس أنها غاية في ذاتها ، لا مجرد وسيلة إلى غيرها . ومتى كانت كل إرادة خيّرة تشرّع لغيرها حالما تشرع لنفسها على مقتضى